|
وداعاً نجيب محفوظ
راوي مصر وقمة
الرواية العربية

عباس بيضون / السفير
طال عمر نجيب محفوظ واذا كان عمر المرء يقاس بما أثمره، فإن عمر نجيب محفوظ
أطول من ذلك بكثير. لقد أنجز مكتبة كاملة وظل يكتب إلى أن شحّ بصره فاستبدل
الكتابة بالإملاء وكان من روائع ما أملأ سيرته الذاتية وأحلامه. واذا كان نجيب
محفوظ حاضرا في شيء فهو كتبه، الأرجح أنه آثر ان يعيش على هامشها، وان يكون في
نهاية الأمر كائنا من حبر وورق وحروف. ليست حياة محفوظ دهليزا ولا سرا غائرا.
ظل يقول انها حياة موظف لا حياة كاتب، انها دوام ونظام واجتماعات عائلية
واصدقاء طفولة وكتابة. قد تكون حياته اغنى من ذلك كما يلمح آخرون لكن الرجل شاء
ان يبعدها عن العيون، وان لا يكون بين القارئ وبين كتابه اي واسطة، وحسنا فعل
فإن التشخيص والتجسس على المؤلف والنمذجة البطولية هي ما يتواطأ عليه القارئ
والكاتب عندنا. نجيب محفوظ، إذن هو كتابه، وهذا الكتاب يطل عليه ويصفه لنا.
يتطوع كثيرون للحديث عن لاعب الكرة القديم ولاعب <القافية> وابن الحارة المصرية
وذي الحياة السرية والوفدي والمتفلسف، لكن كل هذا لا يساوي الصورة التي
تستنتجها من كتبه. يتراءى ان حياة محفوظ الاغنى والأكثر صدامية موجودة فيها. في
هذه الروايات نجد فلسفة وسياسة وتجربة ومواقف نجيب محفوظ. ليس لنجيب محفوظ
فلسفة متكاملة ولا تبني الروايات نظما فلسفية على كل حال لكن له مزاجا فلسفيا
ومقاربة فلسفية. فالأرجح ان روايات محفوظ، اذا اخذنا ثلاثيته مثلا، تصور التكون
الصعب وشبه المأسوي للفرد العربي، كما تصور البحث المضني عن المكان المفقود
التاريخي والأنطولوجي والسياسي للعربي المعاصر، كما تصور البناء التأسيسي وشبه
العبثي احيانا للمدينة والتاريخ والمجتمع. رواية محفوظ هي رواية هذا التأسيس
وهي بالتأكيد ملحمته ولوحة احتدامه وغلياناته التي تنتهي غالبا بأن تأكل نفسها
او تتطاحن بلا نتيجة.
لم يقدم نجيب محفوظ نفسه كمناضل من اي نوع، غير انه لم ينحن كفرد لأي نظام وإن
يكن تجنب العاصفة. روايات نجيب محفوظ ليست في احتياط نجيب محفوظ وربما حماها
بسكوته الشخصي. ما تقوله هذه الروايات بلغة روائية، لا تتساهل في هذه الناحية،
نقد عميق وداخلي لخيانة النظم العسكرية التي هي ايضا خيانة طبقية وايديولوجية
قدر ما هي افتضاح ثقافة فوقية طنانة. يذهب دارسو محفوظ الى التشديد على
تاريخانيته، أي ايمانه بالتاريخ واتكاله عليه ورده العالم والاشياء اليه. والحق
ان روايات نجيب محفوظ، عدا عن انها روايات افراد في صراعهم مع شروطهم
التاريخية، فإن التاريخ عند محفوظ خال من اي مهدوية او خلاصية. انه مليء بالعكس
بالسخرية التي يتقنها محفوظ وبقدرية تشارف العبث او اليأس. طالما عثرنا في
روايات محفوظ على الدرويش او الصوفي الذي يتكلم بلغة إشارية احتمالية ناظرة
للمستقبل، لنقل ان دراويش محفوظ كانوا غالبا صورة لليأس من اي مهدوية ووقوع
التاريخ في عجز نفسه. بدا في وقت بأن رواية نجيب محفوظ هي رواية التأسيس
المديني وان الزمن تجاوزها بقدر ما تجاوز هذا التأسيس. اشتبه نقاده وروائيو ما
بعد جيله في ان أفراده لا يقولون كلمتهم الخاصة وانهم في حربهم مع ظروفهم
يتركون الكلمة الأخيرة لها. لا نشك ان نجيب محفوظ ما كان ليترك للنفس الانسانية
ان تنطلق في اغنية غير محدودة، ما كان ليؤمن بعجائب اللاوعي ولا طوفان الشعر
الداخلي. رؤيته مليئة بالسخرية والنقد واليأس الصلب. واقعيته اذا جازت التسمية
هي واقعية التحولات المسخية والتشوهات التدريجية والخيانة الاصلية (على غرار
الخطيئة الاصلية) وكل هذا لا يقال الا بوضوح كامل وعصابي ايضا وبفم مليء
بالشكوك وبمحاكمة شبه منطقية. كانت صورة العالم الواضحة المليئة بالزوايا
الحادة وبالكتل الصريحة اكثر معاصرة لدى نجيب محفوظ منها لدى كثيرين من منتقديه
الروائيين الذين مال بعضهم من حيث يدري ولا يدري الى ريفية كامنة والى
نوستالجيا أثرية والى غناء هوية والى تاريخانية خلاصية ومهدوية. والآن وقد
اكتمل الاثر المحفوظي وبعد ان زالت ثورات لم يترك بعضها الا الزبد فإن الاثر
المحفوظي اكثر ما يكون شبها بنا. واذا جاز للمثقفين مثلا ان يبحثوا عن عارهم
الخاص وتاريخهم الفعلي الذي تنكبوا عن ان يكتبوه فعلا فسيرونه في <ثرثرة فوق
النيل> و<اللص والكلاب> اكثر مما يجدونه في روايات اكثر شبابا.
نجيب محفوظ مؤسس. ليس قطعا فحسب في الرواية العربية، بل هو الاول في ما ندعوه
الرواية العربية المعاصرة. ليس مؤسسا فحسب بل هو صانع هذه الرواية وواضع هذا
النوع الذي نسميه الرواية العربية، انها في الواقع لحظة تأسيس تاريخية اجتماعية
ايضا. رواية محفوظ تحمل لحظة تبلور المدينة المصرية المعاصرة، صنع محفوظ
المقابل الروائي لهذه اللحظة المركبة. لقد وجد النص الروائي، اعطاه اولوية
وجعله نهاية في ذاته. لقد خلص النص الروائي من شوائب مراحل وزيادات لاحقة
واختلاطات لسواه. خلصه من الشعر الكاذب والتفنن البلاغي والانشاء والنوستالجيا
الريفية والمسخ العاطفي والافكار المسبقة والمثالات الضمنية والانحيازات
اللاحقة. بدا النص الروائي لذلك صارما حديديا محايدا وشبه لا شخصي، واذا اضفنا
قلنا قاسياً وواضحاً. لقد جعل محفوظ الأفكار والمشاعر والشطحات والفيوضات
الداخلية لعبة النص الروائي. انها في الغالب ادوار سرعان ما تنتهي الى غايتها
وتستهلك نفسها فيه. وُجد الكاتب الذي لا يسلم نصه لأي رهان، الرواية تستنفد كل
شيء وتحيله ركاما. الرواية اي اللعبة، اي البناء، اي الميزان والحركة هي الغاية
وكل ما فيها تابع لها وليس شيئا سوى مادتها وجبلتها. اخترع نجيب محفوظ الرواية
العربية وكان من الدهاء بحيث أمّن لها ان لا يطيح بها حاجز
ايديولوجي او نفسي او أدبي. مع ذلك فإن لنجيب محفوظ رؤية القاع. التهافت
والتخلع والانحطاط والخيانة هي الواقع بالنسبة لنجيب محفوظ. انه واقع يتفاعل
نزولا وفي تكشف تدريجي لقاعه. من هنا رتابة العالم المحفوظي. انه لا يجد باهرا
ولا قفزة حقيقية ولا ابتكارا فعليا في هذا التحول. من هنا فانتازياه الضمنية.
من هنا تشاؤم عقلي يجعل محفوظ شبيها من بعيد بسويفت ورابليه، تشاؤم لا يملؤه
سوى ذكاء لمّاح لم يعوز نجيب محفوظ وسخرية لاذعة كانت سلاحه الخفي.
بدا نجيب محفوظ وكأنه بين أدبائنا الوحيد الذي يملك نموذجا، لم يكن خاصا لكنه
كان متكاملا. كان يمكن ان نقارن نجيب محفوظ ببلزاك، والقول أنه لم يمر بالتأكيد
بجويس وفوكز وبروست. لقد تأخر هنا لكنها كانت المسافة ذاتها التي يبدأ منها كل
تحديث عربي. مع ذلك فإن المسألة لا تقاس هكذا. لم يكن نجيب محفوظ مستخفا بالشكل
الروائي، في الواقع لحق بداريل من دون افراط في ميرامار ولحق بتيار الوعي في
<الشحاذ> وغيره. هذه المحاكاة لم تخدم الاثر الروائي المحفوظي ولم تبد لازمة له
وان دلت على ديناميته. الآن وقد غدت المغامرة الشكلية هذه في تاريخ الرواية
وانطوت في العملية الروائية من دون ان تكون شرطا، الآن يبدو البناء الكلاسيكي
المحفوظي اقل قدما. بل يبدو ان العالم الذي يقدمه هو الذي يميز شكله. عالم
مقابل بالتأكيد للارتطامات العمياء والدورانية للتاريخ المصري المعاصر
ولتاريخنا الحديث كله. عالم اللامكان واللا إسم واللا هوية واللا موقع، عالم
البحث عن مكان مفقود والخوض في صراعات زائفة والعودة القدرية الى بدء مستأنف.
هذا العالم هو الذي يحدد الشكل المحفوظي الصارم الذي أقام بناء الرواية العربية
وكان ثقيلا أحيانا، لدرجة ان أساليب واشكالات عدة خرجت من تصدعاته.
يبدو الأثر المحفوظي متسلسلاً متداخلاً كدوائر الماء وحارات الملك. إنه يكسب في
تواتره هندسة مدينية. بل هو نوع من قاهرة مكتوبة فإذا أخذنا الأثر في مجموعة
بدا في تواتره ذا مسحة شرقية. بل بدا رغم بنائه الكلاسيكي متصلاً اتصال ألف
ليلة وليلة، ألف ليلة وليلة سوداء، تحولاتها بطيئة لكن ماسخة ومهلكة وذات طابع
انحداري.
حاز نجيب محفوظ جائزة نوبل له شخصيا وللثقافة العربية وللظروف التي أحاطت
بالعالم العربي يومذاك، هكذا يحدث كل مرة لدى منح نوبل. بعض مواقف محفوظ من
الصراع العربي الاسرائيلي اعجبت ولم تعجب، لكنها كانت في سياق موقف علماني
تحديثي، استحق عليه سكينا في رقبته. لم يسافر لاستلام الجائزة وأوكل ابنته بذلك
بدلا عنه. لم يسافر محفوظ الا مرة واحدة مرغما الى اليمن بتكليف من عبد الناصر.
لقد نجح وفرض نفسه قمة للأدب العربي بأدبه وحده. من دون سلطة ولا علاقات عامة
اعطى نجيب المثل بأن احترام الأدب هو ايضا احترام للذات والتزام بالحرية. بهذا
الأدب كان معارضا وناقدا صلبا وواعيا للغاية، وبهذا الأدب كان ايضا قويا بحيث
تجنبته شرطة الأدب وحادت عنه. لقد جعل من أدبه سلطة فعلية واليوم نرى موته وكأن
امبراطورية هوت والفراغ، الذي يتركه لا يتركه سوى قلائل.
عندما يرحل الكبار ..... نجيب محفوظ من
الجمالية إلى العالمية
ديب علي حسن / الثوره السوريه
نجيب محفوظ اشهر روائي عربي على الاطلاق, وأول عربي ينال نوبل للآداب, واول من
جسد الانتماء الحقيقي للحارات الشعبية في الروايات العربية, ومنها انطلق الى
العالمية .
نجيب محفوظ مسيرة حافلة بالعطاء والابداع دونما ضجيج وصخب, مئات الكتب
والدراسات صدرت عنه, وترجمت رواياته الى لغات عالمية عديدة, وطبعت منها ملايين
النسخ في الوطن العربي, وفي الجعبة الكثير مما يقال عن هذا الروائي الذي لا نظن
ان روائيا عربيا سينال من الحظوة النقدية والاعلامية ما ناله نجيب محفوظ, وذلك
لأسباب كثيرة لعل اولها فوزه بنوبل, وثانيها روايته الاشكالية ( اولاد
حارتنا)وما جرّت عليه .
محطات في رحلة حياته..
ولد نجيب محفوظ يوم 11 كانون اول عام 1911م ولقد اشار هو ا لى ولادته فقال : (أنجب
والدي من قبلي ستة اشقاء جاؤوا كلهم متعاقبين, اربع اناث وذكرين, ثم تتوقف
والدتي عن الانجاب لمدة تسع سنوات, ثم اجيء انا.. عندما وصلت الى سن الخامسة
كان الفرق بيني وبين اصغر اخ لي خمس عشرة سنة, البنات تزوجن كلهن تقريباً, لا
اتذكر في البيت إلا والدي ووالدتي,لا اذكر ان اي انسان شاركنا البيت إلا الضيوف,
اغلب حياتي في بيتنا كأني طفل وحيد).
ويشير الدارسون لسيرة نجيب محفوظ الى انه شديد التأثر بوالدته, وهو لا يتحدث
عنها إلا بالاعجاب او التوقير او الاعتراف بالفضل, او مراعاة هذا الجانب على
الاقل, بينما لهجته ازاء ابيه محايدة في كثير من الاحيان , بل قد تبدو سلبية
احياناً.
ويشير محفوظ الى ان والدته كانت تحب الاستطلاع مغرمة بالآثار: ( حدثتك من قبل
عن غرام والدتي بالآثار كثيراً ماذهبنا الى الا نتكخانة او الاهرام حيث ابو
الهول, لا ا دري سر هوايتها تلك حتى الآن, كنا نخرج بمفردنا واحياناً مع الوالد
تجرني في يدها وتمضي الى المتحف خاصة حجرة المومياءات, زرناها كثيراً كانت امي
تتمتع بحرية نفسية. ولقد بلغ من تأثير امه عليه انه كان يحترس احتراساً شديداً
وهو يبلغ والدته بخبر زواجه من الفتاة التي تعرف عليها عن غير طريق الوالدة,
وهي التي كانت تلح عليه في الزواج, ورتبت له مشاريع زواج عديدة يقول محفوظ: (
اشفقت على الوالدة لأنها كانت تجهز لي ترتيباً مختلفاً, لقلد افضيت بزواجي الى
امي على درجات, حتى لا احدث لها صدمة, وهذا شيء على جانب كبير من الغرابة) وبعد
وفاة والده استمر يعيش مع والدته لمدة اكثر من 17 عاماً من عام 1937 الى تاريخ
زواجه على الاقل.
قراءاته وثقافته
يقول محفوظ: كنت احب اقتناء الكتب, ولدي عدد هائل من الروايات والكتب العلمية
في مختلف المجالات, ومجموعة نادرة من كتب الفن.
في سن العاشرة بدأ يقرأ الجرائد المصرية ويشير الى انه نوع من قراءاته:( بدأت
التنقل في القراءة حتى وصلت الى المنفلوطي ثم المجددين, قرأت ايضاً للمفكرين,
وكان المفكرون هم الذين يحظون بالاحترام في هذه الفترة, طه حسين , العقاد
وغيرهما, اما الادب فقد اعتبرته هواية جانبية, كان الاحترام للفكر وهذا اثار
تساؤلاتي الفلسفية, كان العقاد يثير تساؤلات حول اصل ا لوجود, وعلم الجمال من
هنا جاء توجهي الى الفلسفة) وحين حسم الصراع بين الفلسفة-والادب واتجه نهائياً
الى الادب قرر وضع نظام او برنامج للقراءات ( لدراسة الادب والاستمرار في
الاطلاع على الجوانب المختلفة للثقافة العامة, فقد وجد ان الوقت محدود وكان ذلك
حوالي سنة 1936م وعمره يدور حول الخامسة والعشرين كان احساسي بالزمن محدود وفي
نفس الوقت اريد ان أقرأ في الادب في ا لعلم, في التاريخ أريد ان استمع الى
الموسيقا.
وقد بدأ بقراءة تاريخ مصر حين قرر كما يقول: ( ان ا كرس حياتي لكتابة تاريخ مصر
بشكل روائي... هذا ما كنت قد خططت له, وكنت قد درست تاريخ مصر الفرعونية دراسة
كاملة توشك ان تكون دراسة متخصص).
من سماته الخاصة...
تميز نجيب محفوظ بمجموعة سمات شخصية طبعت حياته وانعكست على مسيرته
الابداعية,ويمكن ان نقف على ملامح متعددة نذكر منها :
- اختزان الماضي واستعادته وهذا ما نلمسه في رواياته اذ كان يستعيد مخزون
ذاكرته, وقد اشار أصدقاؤه الى انه استفاد كثيراً مما قصوه عليه .
- الشمولية والتنوع, وهذ ما رأيناه في دراسته للفلسفة والادب والتاريخ
والموسيقا.
- الانطوائية, لم يتبادل نجيب محفوظ ا لزيارات مع الاصدقاء ويشير محفوظ الى انه
كان يقرأ العقاد وحسين ودون ان يحاول لقاءهما.
وبعد زواجه احاط بيته بحزام شديد, فهو يمنع تسرب اية اخبار او معلومات او صور
عن زوجته وعن ابنتيه حتى ان كثيراً من القراء كانوا يعتقدون انه اعزب وكان يرفض
ان يخوض احد في سيرته الشخصية, او يدلي بأحاديث عن اسرته او يسمح لزوجته
بمقابلة الصحفيين والادلاء بحديث ولكن زمام الامور أفلت منه بعد نيله نوبل,
فقال عن زوجته: هي ست بيت ممتازة تهوى القراءة وتقرأ رواياتي, وتحب الموسيقا
الشرقية وخاصة اغاني ام كلثوم, وصفاتها هي صفات امينة في الثلاثية ومحفوظ محب
لزوجته ولأسرته, ولم يفرض على ابنتيه اسلوباً توجيهيا ترك لهما حرية الاختيار
والدراسة والاتجاه العلمي .
وعنهما يقول : انهما لا تقرآن رواياتي او الادب العربي عامة ولا تهويان
الموسيقا الشرقية واغاني ام كلثوم.
ومن صفاته الشخصية الاستقلالية التشبث بالمكان ,كره السفر, والرضا والقناعة,
وفوق هذا وذاك فهو كتوم ومحافظ على الاسرار وربما كانت هذه السرية سبباً من
اسباب الرمزية في ادبه وعاملاً اساسياً من عوامل فكره المغلف بالغموض ولذلك
تعددت تفسيراته .
تقديس النظام
من اهم صفاته الشخصية انه كما تقول زوجته: تستطيع ان تضبط ساعتك على نظام حياته,
انه يصحو في الخامسة صباحاً يتناول افطاراً خفيفاً وفنجاناً من القهوة السادة
ويخرج الى الشارع ليمارس رياضة المشي الى ميدان التحرير حيث يوجد المقهى الذي
يجلس فيه حتى موعد الغداء, وفي طريق ذهابه وعودته يسلك طريقا معينة لا يغيرها ,
ولا ينسى وهو ذاهب ا ن يحمل معه الصحف والاوراق والخطابات التي يريد ان يطالعها,
ويعود بعد ذلك ليتناول الغداء بمفرده , لكنه حريص ان تجتمع الاسرة بأكمها على
مائدة الغداء يوم الجمعة والسبت.. بعد الغداء ينام ساعتين واذا كنا في الشتاء
يصحو فيجلس الى مكتبه من الساعة الخامسة عصراً حتى الثامنة مساء تقريباً فهو لا
يكتب الا في فصل الشتاء.
ويشير اصدقاؤه الى انه يلتزم ببرنامجه التزاماً صارماً, فإذا حان موعد الكتابة
لابد ان يتجه الى مكتبه مهما كانت الظروف, واذا انتهى وقت الكتابة فإنه لايكمل
الجار والمجرور ويترك القلم ايذاناً بانتهاء الوقت المحدد لذلك .
***
أعماله الأدبية
قدم محفوظ اكثر من 60 رواية نالت شهرة عربية وعالمية كما اشرنا وعليها استحق
نوبل للآداب, وقد كتب السيناريو السينمائي والقصة القصيرة وعدداً من المسرحيات
ومن قائمة مؤلفاته نشير الى التالي:
الرواية: عبث الاقدار 1939
رادوبيس 1943
كفاح طيبة 1944
خان الخليل 1946
زقاق المدق 1947
السراب 1948
بداية ونهاية 1949
بين القصرين 1956
قصر الشوق 1957
السكرية 1957
أولاد حارتنا 1960
اللص والكلاب 1961
ميرامار 1967
حكايات حارتنا 1975
بلغ مجموع رواياته اكثر من 60 رواية والقصص القصيرة اكثر من 15 مجموعة, وقد
اصدر عام 1995 اصداء السيرة الذاتية, نوبل محفوظ هي في الواقع ثمرة الالتصاق
بالمحلية التي قادته, ا لى ا لعالمية الامر الذي جعل المتابعين لأدبه يطلقون
على سيرته من الجمالية حيث ولادته الى نوبل.
***
يبوح بأسرار الحب الأول ...
فتح نجيب محفوظ قلبه وباح بأسراره لمحبيه ومتابعيه ومن هؤلاء, بل على رأسهم
الأديب جمال الغيطاني الذي أعد كتاب ( المجالس المحفوظيه) وفيه أسرار معايشة 46 عاما.. ولعل اللافت في هذه المجالس وأسرارها أن الروائي
الكبير نجيب محفوظ تحدث عن حبه الاول وباح به ووقف على أطلاله.
خبا الحب الأول..
ربما كان محفوظ لا يريد أن يعترف بقول الشاعر العربي: وما الحب إلا للحبيب
الاول) لأن حبه الاول كما يروي قد خبا وفي تفاصيل ما يقوله محفوظ: خبا حبي
الاول منذ زمن بعيد, لاأستطيع تتبع أخبارها الان , لأنها ابنة عائلة اندثرت منذ
مدة, قصرهم أصبح عمارة, كانت سراياهم في شارع بالعباسية , وشارع الملكة نازلي ,
أصبح مكان السراي الآن عمارتان حديثتان لا أعرف مصيرها, أو أين هي الآن.. في
مصر خارج مصر.. حتى أخوتها انقطعت أخبارهم عني, في حاجات غريبة أحياناً ..
يقولون إن الدنيا تلف وتدور ثم تشوف لكن هذه انقطعت أخبارها كلها عني بالمرة ,
الغريب أن البيت الصغير الذي أسكن فيه بالاسكندرية تعيش به قريبتها في الطابق
الذي يقع تحتي ابن عمها دكتور قابلني وتذكرني لكن ليس من المعقول أن أسأله عنها
معقول أن تكون ماتت.. معقول جداً, لو أنها تعيش فهي الان فوق الثمانين, أظن
أنها تزوجت مهندسا قبل هذا في الزمن البعيد .. لا أذكر بعد زواجها لم أرها إلا
مرة واحدة في ميدان الاسماعيلية واسمه ميدان التحرير, تمكن في هذا الحب في
شبابي الى حد كبير.. الغريب أنك تجد أحياناً وجها ما يخيل إليك أنك على موعد
معه.. لماذا هذا الوجه بالذات.. لا أدري .. لماذا هذا التكوين بهذا الشكل
بالذات يؤثر في الانسان هذا التأثير بالذات أيضاً لا أدري .. هذا شيء غامض لا
تفسير له عندي.
لحظاته الاولى ..
وعن اللحظات الاولى لهذا الحب يقول محفوظ : عانيت أول حب حقيقي من نوعه من قبل
كنت أحس بالجمال في جمالية الاحاسيس التي تراود صبيا في الثامنة او العاشرة
ولكن في العباسية عرفت أول حب لي من نوعه .. كانت تجربة مجردة من العلاقات نظراً
لفوارق السن والطبقة, ومن هنا لم تعرف هذه العلاقة أي شكل من اشكال التواصل..
الأديب يبدع عندما يحب..
يعترف محفوظ قائلاً: كتبت الكثير من أعمالي تحت تأثير حالة حب ليس من الضروري
وأنا أعيش التجربة لكن بعد مرورها وأعتقد أن الاديب يبدع أفضل ما عنده وهو يحب,
ولما كان حب المرأة غير متاح دائماً فقد كان حب أي شيء محل حب المرأة , إن
التعبير عن تجربة حب بعد الانتهاء منها يظهر كل أبعادها ويبرؤها من التحيز
ويساعد على خلق عمل جديد.
نعم عبرت في قصصي عن الكثير من المنحرفات البعض يستبشع هذا لكن ما هو موجود في
الواقع أفظع بكثير أعتبر رواياتي حشمة بالنسبة للواقع أعرف عن الواقع الاحصائي
حقائق مخيفة ما عرفته بالمشاهدة بسيط لانه لا يؤدي الى الحقيقة بالضبط.
في أحد الايام تعرفت الى ضابط بوليس بمكتب حماية الآداب كان شقيقه موزع أفلام
جاء إلي في ربدز يحكي عما يشاهده أشياء فظيعة الحياة الاجتماعية التحتية مرعبة..
لماذا نتجاهلها? إن سبب معظم حالات الانحراف الحاجة .. معظمهن انحرف نتيجة ظروف
ساحقة.. إن حياة الانحراف كريهة .. إن لم تكن المرأة مصابة بانحراف في عقلها
فإنها لا ترضى بهذه الحياة..
إن الرجال مسؤولون في معظم الاحيان عن انحراف المرأة ان المنحرفة في رواية (
القاهرة الجديدة) عندما تضعها بجانب المسؤول الكبير الوزير فإن المسؤولية تقع
على عاتق الوزير.
***
حكاية نوبل
قبل الجائزة: أنا لا أفكر في نوبل
قبل عام من حصوله على نوبل, أدلى بحديث الى جريدة الشرق الأوسط في 24 كانون أول
1987 قال فيه (ليست جائزة نوبل جوازاً للمرور الى عالمية الآداب, وليست مقياساً
للأدب الجيد, فقد نالها أدباء كثيرون لم يسمع بهم أحد بعد ذلك.. أي بعد الضجة
التي تصحب الفوز بها, ويتابع محفوظ قائلاً: أنا لم أفكر أبداً بجائزة نوبل,
أعجب كثيراً كيف أننا نشغل بالنا ليل نهار بهذه الجائزة, وكأننا لن نكتب أدباً,
أو لن يكون لنا أدب إذا لم نفز بها, وهو أمر مخجل يعكس عدم الثقة بالنفس,
والنظر الى تراثنا الأدبي الهائل على أنه قليل القيمة ومع أنه ليس كذلك أبداً
لا ينبغي أن نشغل أنفسنا بتلك الجائزة, أفراداً, مجتمعاً. فهي ليست جوازاً
للمرور الى عالمية الأدب... وعندنا من الأدب الجيد والأدباء الموهوبين ما يفوق
بكثير ذلك المستوى الذي تمنح على أساسه الجائزة التي تمثل حلماً قومياً.. عندنا
من المشاكل وقضايا النهضة والأمية والتعليم ما يكفينا, ولكننا نبحث عن عالمية
أدبنا العربي عند (الخواجات) ولسنا في حاجة الى هذا.
بعد الجائزة: كيف تلقى نبأ الفوز?
يقول الأستاذ محمد الغيطي شارحاً وواصفاً تلك اللحظات (استلقى محفوظ على سريره
بعد تناول طعام الغداء وأخذه ساعة (القيلولة) في نوم شبه عميق, في الساعة
الثانية والنصف من بعد ظهر الخميس يوم 13 تشرين الأول 1988 تتحرك زوجة الأديب
الكبير بسرعة من ردهة الشقة القابعة في إحدى بنايات العجوزة على حافة النيل,
تركض وتمد يدها مرتعشة بتوتر نحو مؤشرالراديو, لتتأكد مما سمعته لقد اختارت
أكاديمية استوكهولم زوجها لنيل جائزة نوبل الأدبية لهذا العام تسرع الزوجة
نحوالأديب النائم في دعة, تربت بيدها اليمنى على كتفه, وفي كفها اليسرى سماعته,
ولكن قبل أن تنطق تتفتق عين الأديب الكبير عن انفراجة ضيقة لتقرأ أسارير تشي
بخبر ما, على وجه زوجته, وما إن تنطق بالخبر حتى تسخن داخله دماء السيد أحمد
عبد الجواد في الثلاثية ورد قائلاً: أجننت يا.. عادت وكررت عليه الخبر, وبعد
نصف ساعة طرق باب الشقة تفتح الابنة الكبرى, فإذا في الباب شخص متأنق يرتدي زياً
رسمياً وبجواره سيدة تبدو مثل أميرات أوروبا, وبعد محادثة تعرف الابنة أن الرجل
سفير السويد في القاهرة, وجاء في مهمة رسمية من دولة السويد, ومعه هدية رمزية
في هيئة علبة موشاة بخيوط وردية ويخرج أديبنا الكبير بالبيجامة ليقابله وهو
يهمس بينه وبين ذاته (منك لله يا بهجت وصلاح نصحتماني بأكل البصل هذا الأسبوع
لتخفيف آلام السكر, كيف استقبل سفير دولة ورائحة البصل تسبقني إليه? لم تزد
كلمات السفير عن سبع (مبروك شعب السويد يهنئك بفوزك بجائزة نوبل).
وانهالت المكالمات عليه, فسارع بالفرار من منزله الى مكتبه في الاهرام حيث كان
في الساعة الخامسة تماماً أمام المبنى الشاهق واستقبله الجميع بالترحيب, وفي
قاعة التحرير استقبله المحررون بالتصفيق.
وفي الخامسة والنصف ترك محفوظ (الأهرام) وذهب الى مقهى الفيشاوي وبين القصرين.
لقد زار فور مغادرته (الأهرام) أصحاب الفضل الأول في إبداعه المكان والعبق
والحارة المصرية, زارها عرفاناً بالجميل, وقال محفوظ: (لقد احتضنني الناس في
مقهى الفيشاوي, ورد شيخ عجوز لصيق بالمقهى منذ نصف قرن, فقال في براءة مصرية
سمراء عقبال شهادة النجاح المصرية.
محفوظ فوجئت بالجائزة
سأله الغيطي عن ردة فعله حول حصوله على نوبل فقال ما زلت مندهشاً, فسأله لماذا?
فقال: لأني لم أرشح نفسي منذ عام ,1982 ولأن أحداً لم يقل لي حتى الآن عن أي
عمل رشحوني واختاروني? ولأني فوجئت فقد نسيت تماماً أن هناك جائزة اسمها (نوبل)
تعطى للأدباء, ولأني منذ زمن حسمت الأمر مع نفسي ربما منذ عشر سنوات حيث عرفت
أن هذه الجائزة تعطى للعمالقة أمثال برناردشو وتومي جان, وتأكدت أنها ليست لنا
نحن العرب, ربما لحسابات كثيرة معظمها معروف لذلك لم أفكر فيها, وعندما فكروا
هم في إعطائي إياها, كانت دهشتي الكبرى هي الشعور الغالب على هذه اللحظة).
وفي تصريح آخر أدلى محفوظ ونقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط قال محفوظ:( إنني
سعيد لنفسي وللأدب العربي, مشيراً الى أنه يتذكر في هذه اللحظات أساتذته من
الأدباء المصريين الذين كانوا يستحقون نيل الجائزة, مثل طه حسين, وعباس العقاد,
وتوفيق الحكيم, وأعرب عن تمنياته لجميع الأدباء العرب الكبار بأن يكون لهم مثل
هذا الحظ السعيد).
أما أسعد حيدر فإنه ينقل عن محفوظ قوله (اسمع يا أستاذ أسعد عندما كانت جائزة
نوبل تمنح للتقليديين يعني للعمالقة, مثل برناردشو وتوماس مان, لم تكن الجائزة
من أحلامي بعد ذلك انتهى عصر, العمالقة يعني أي جان بول سارتر والبير كامو, بعد
هؤلاء أنت عارف أصبحت الجائزة تمنح للعاديين جداً, ولذلك لم أعد أفكر بها,
ولهذا أيضاً ما فيش عندي حرارة, ولا أنا أتصور أنني سآخذها, ده جائزة مش
بتاعتنا, أنا لا أطمع بها, وأنا ما ليش علاقة بها).
ويحتج محفوظ لأنهم منذ أربع سنوات (قبل الجائزة) أرسلوا أستاذة ذهبت الى سورية
ومصر وتونس, لكي تعرف الأدباء الذين يعيشون في الشرق, واحدة لا تعرف الأدب في
الشرق, كانت في حاجة الى ستين عاماً لكي تعرف هذا الأدب, ويقولون هم عايزين
يعرفوا الأدب بتاعنا بستة أشهر, وهو عايز 60 سنة, ما يعرفوش عربي يسألوا ناس
عارفين ومتخصصين.
من المحلية إلى العالمية
يقول د. سليمان الشطي (إن اجتياز الباب الأول للدخول في عالم نجيب محفوظ, يمكن
أن يبدأ من القمة السامقة التي تواجه فضاء المعرفة حيث الرؤيا أشمل وأعظم, وهذا
هو المدخل الذي اعتمدته (نوبل) لتقول كلمتها وهي تعلق اسمه على دنيا البشر, لقد
جاء في قرار اللجنة (لقد رأت فيه مطوراً للغة في الأدب والثقافة العربية
وأعماله تتحدث الى العالم كله, أما أدبه فمنذ المرحلة التاريخية وهو يومىء الى
المجتمع الحديث, فكانت رواياته مصورة للبيئة الشعبية, (فزقاق المدق) مسرح يجمع
حشداً متبانياً من الشخوص, أما في الثلاثية فقد تناول أحوال وتقلبات أسرة مصرية,
جامعة بين العناصر الذاتية وارتباط تصوير الاشخاص بالظروف والفكرة الاجتماعية
والسياسية, وتقدم أولاد حارتنا البحث الأولي عن القيم الروحية, بينما قدمت
ثرثرة فوق النيل محاورات فنية ميتافيزيقية على حافة الحقيقة والوهم, ويأخذ النص
شكل تعليق كبرت حارة محفوظ ومحليته حتى شملا العالم كله.
لم ينس محفوظ أن يهدي جائزته(إلى زبيدة) الراقصة والعالمة في ثلاثيته, وإن كان
الإهداء يحمل طابع السخرية من تحول القيم لأن الراقصة تجني أكثر مما يجني
الأديب, لكن الاهداء يحمل في أعماقه تمسكاً بالحارة, بالمقاهي, بالعوالم, بكل
شيء مصري عزيز على قلبه, من هنا كان صادقاً بمحليته التي قادته إلي العالمية.
|