| عن صحيفة البعث
سلامة عبيد في ذكراه السنوية..
شاعر، ومناضل ومؤرخ وأديب متعدد المواهب والكفاءات
الشاعر الذي هجر العرين ليستوطن الخلود..
بقلم الدكتور: صابر فلحوط
غداة كانت دبابات المستعمر الفرنسي تطحن الصخر، في طريقها لاحتلال الوطن
الذي توثب أبطاله كالقدر الحرون في ميسلون الصمود، ولد الشاعر والكاتب
والأديب المناضل سلامة عبيد في العام 1921 في بيت مسور بالكفاح الوطني
والفداء من أجل الكرامة، والشرف الأرفع، شأن العديد من بيوتات عرين الشموخ
في جبل العرب.
وقد ترعرع الشاعر -عبيد- وأحاديث البطولات تشنف أذنيه، وتمجيد الجهاد من
أجل التراث والتراب والتاريخ هو خبز الرجال اليومي في مضافات الكرم وسوح
العناد.
كما ان المستعمر الغاشم يومذاك لم يترك للناس خياراً غير التمرد، والعنفوان
شأن السنديان الذي يزنر جبل العرب ويمنحه عناداًَ متميزاً من صلفة، وصلابته
وشموخه.
لقد عاش الشاعر-عبيد- بأعصابه وأحلامه، وطفولته المتمردة، إرهاصات الثورة
السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش التي أرست القواعد الرواسخ
لاستقلال الوطن وحريته، كما رأى وعايش استشهاد أخويه (نايف-ورشيد) كما ذاق
مرارة النزوح مع الذين نزحوا الى منطقة الأزرق من أبناء الثوار، فاكتوت
طفولته بنار التشرد، والهلع، ومرارة العيش..وقد أمضى المرحلة الابتدائية من
دراسته في بيت اليتم ثم تلقى تعليمه الثانوي والجامعي في الجامعة الوطنية
في -عالية- بلبنان ما بين أعوام 1930-1940.
وانضم الشاعر-عبيد- مبكراً الى عصبة العمل القومي، كما انتسب بعدها الى حزب
البعث العربي الاشتراكي الذي غناه، وأغناه شعراً وطنياً وقومياً رفيعاً،
وأدباً متألقاً ومناقبية تحالفت مع المثالية والشفافية بشكل قل نظيره.
ويذكر الجيل الذي تربى على يدي الشاعر -عبيد- أنه كان مدرساً ومدرسة في
السلوك والأخلاق والإخلاص والوطنية..فقد حول مديرية تربية السويداء، يوم
تولى ادارتها، الى منتدى ثقافي فكري، سياسي، تربوي تتلاقى فيه الكفاءات،
والآراء، تختلف وتأتلف، وفي الخاتمة تتوحد على كلمة سواء هي قدسية الوطن،
وتقديم الدماء فداء لكل ذرة من ترابه.
وقد كتب الشاعر -عبيد- في الأدب المسرحي، وكانت مسرحية اليرموك أبرز أعماله
في هذا الصنف الأدبي.
كما كتب في الرواية حيث تألق قلمه في رواية-أبو ناصر- التي مثلت الصمود
والتضحية من أجل كرامة الوطن وعزته، كما كان كتابه الثورة السورية على ضوء
وثائق لم تنتشر يشكل سجلاً ناطقاً لأحداث الثورة السورية الكبرى، والأضاحي
التي قدمها أبطالها الذين إن تناساهم الزمان، فلا بد ان يذكرهم الخلود.
أما المجموعات الشعرية التي أعدها الشاعر -عبيد- سواء ما طبع منها، أو ما
بقي رهن الطالع من الأيام فإنها توشي بعبقرية شعرية فذة، وطاقة أدبية خلاقة،
وخيال لا حدود لرحابته، وتمسكه حتى حدود النبض بالقيم والمبادىء، وأهداف
الناس، وأوجاع الجماهير، والاصرار على التضحية من أجل التراب.
ولعل ديوان- لهيب وطيب- يترجم بأمانة وشفافية روح الشاعر، وتمرده وشعوره
بالحرمان الذي يؤسس للثورة على المستعمرين القادمين من وراء البحار أو داخل
الديار.
ويشير وصفه لحال الثوار النازحين الى منطقة-النبك العربية- الى مالاقى جيله
وما كابد من مرارات في سوح الكفاح أيام الانتداب البغيض:
ربى النبك هل تذكرين الخيام
لديك مبعثرة جاثية
تحاول شمسك إحراقها
وتعصفها ريحك السافية
كما تجلى إيمانه بالصراع الطبقي في عهود الاقطاع بقوله مخاطباً ابنته:
وكنا في ظلال الخوف
نبني من بقايانا
ومن أكبادنا هذي
القصور البيض للناس
ومن عريك يابنتي
فرشناها لهم خزا
ويبرز تمرده، وإيمانه بالقوة سبيلاً الى الحرية في قوله على لسان شرحبيل في
المسرحية المسماة باسمه:
جمانة قولي للطبيب إذا أتى
وأبدي استياء من جريح مغامر
بأن جراح العرب لا تعرف الشفا
على غير متن السابحات الضوامر
وتأتي قصيدة الشاعر-سلامة عبيد-(من دمانا) لتأخذ شكل المعلقة المتميزة نسجاً
ومبنى، ومعنى وتلخيصاً لواقع الصمود الشعبي في الوطن، وقد قبست بعضاً من
أبياتها في قصيدة سابقة أهديتها للمحامين العرب لفرط اعجابي بها..ففي 29
أيار عام 1945 تنامت الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي في سورية
العربية، وكان قائد الجيش الفرنسي يشرب الخمرة ويأمر بضرب دمشق بالطائرات
والمدافع، ويوعز باقتحام المشافي واجتياح دور العبادة وتهديم المجلس
النيابي على من فيه.
فكانت قصيدة-من دمانا- تصويراً حياً وإبداعاً خلاقاً يؤرخ لحظات عدوان غاشم،
وبطولات أسطورية لا تنسى:
من دمانا أيها السفاح
من دمع اليتامى والأيامى
اترع الكأس مداما
فلقد عشنا كراما
وسنبقى أبد الدهر كراما
وفي عهد الجمهورية العربية المتحدة شغل الشاعر-عبيد- منصب عضو مجلس الأمة
وبعد اغتيال الوحدة بسيوف الانفصال الأسود أحيل الشاعر على التقاعد، فغاب
عن المسرح السياسي لينطلق مجدداً في الساحة الفكرية والأدبية تأليفاً
وابداعاً حيث سافر الى الصين ليعمل مدرساً في جامعة بكين ويحقق نجاحاً
باهراً في تعزيز العلاقات العربية الصينية واعطاء الأمثولة الصافية عن
شعبنا وتراثه وحضارته في الساحة الأبعد جغرافياً.
ويأتي في مقدمة انجازاته الثقافية بعد رحلة الصين القاموس الذي أعده بثلاث
لغات-العربية والصينية والانكليزية.
انها رحلة الرواد الكبار والكرام في معارج هذه الحياة أسبغ عليها
الشاعر-عبيد- لوناً مشرقاً من النبل والنباهة والعبقرية، والابداع الذي
يجعل الخلود حليفه الأبدي.
|