|
هل السكن العشوائي
في المدن الكبرى محصلة للافراط في الزيادة السكانية؟
تعتبر التنمية السكانية واحدة من اهم القضايا الحيوية والاساسية التي لها
تماس مباشر في حياة المجتمع السوري.. فخلال ثلاثة عقود مضت شهدت سورية
معدلات سريعة للنمو السكاني تفوق طاقتها الاستيعابية وقد رافقت هذه
المعدلات سرعة في نمو القوى العاملة والعمران والتي ضاعفت نسبة عدد السكان
في القطر خمس مرات خلال الاربعين عاماً الماضية.
وهذا التزيد السكاني الذي نشهده الآن يشكل تحدياً رئيسياً بوجه التطور
الاقتصادي والاجتماعي ويمثل ضغطاً كبيراً على خطط التنمية الاقتصادية
والاجتماعية.
لذلك نجد ان التعامل مع التزايد السكاني في سورية يشكل حجر الزاوية بالنسبة
للتطوير الاقتصادي والاجتماعي حيث ان نسبة النمو السكاني وارتفاع معدلات
الانجاب من احدى التحديات الرئيسية لعملية التنمية الشاملة في سورية..
ومسبباً اساسياً لتنامي معدلات الفقر التي تأكل حصة الفرد من الدخل القومي
اضافة الى زيادة الطلب على القطاع الخدمي خصوصاً قطاع الصحة والتعليم ورغم
الانخفاض الكبير الذي طرأ فيما بعد على معدلات الانجاب العام للمرأة
السورية فقد انخفضت هذه المعدلات من ثمانية اطفال للمرأة الواحدة في بداية
السبعينيات الى اربعة للمرأة عام عام 2002 ويعتبر هذا المعدل من اعلى
المعدلات في منطقة الشرق الاوسط، وعلى الرغم من هذا الانخفاض الكبير في
معدلات الانجاب العام بوتيرته الحالية فإنه سوف يصل تعداد سكان سورية عام
2025 الى حوالي 27 مليون نسمة اي بزيادة تقدر بحوالي 9 ملايين نسمة مقارنة
بالتعداد العام للسكان الذي جرى عام 2005 وسوف تسبب هذه الزيادة في السكان
تآكلاً حاداً في نصيب الفرد من الدخل القومي وارتفاعاً كبيراً في معدلات
الفقر والبطالة التي اصبحت عصية على الحل ولاسيما في مناطق الارياف
السورية.
وتؤكد جميع الدراسات والاحصاءات التي جرت في القطر بأن هذا الانفجار
السكاني الكبير قطعاً لايتناسب مع عدد السكان ويدخل سورية في مشكلة سكانية
لها آثار ومنعكسات سلبية على موارها الطبيعية والاقتصادية والمعروف ان
نتائج التعداد العام للمساكن والسكان التي جرت في سورية خلال عام 2004 قد
اظهرت ان عدد السكان داخل القطر بلغ 17799 سبعة عشر مليوناً وسبعمائة وتسع
وتسعين الف نسمة..وبهذه الحالة فان معدل النمو السنوي للسكان قد بلغ خلال
الفترة من عام 1994 الى 2004 نحو 58ر2 بالمائة ووضحت النتائج ان متوسط حجم
الاسرة قد انخفض من 25ر6 فرد وفقاً لتعداد عام 1994 الى 55ر5 وفقاً لتعداد
عام 2004 لذلك يجب العمل على تشجيع وتكثيف المشاريع الاستثمارية وغيرها من
الاجراءات التي تضمن تحقيق معدل النمو الاقتصادي بشكل اعلى من النمو
السكاني لانه في المحصلة ينعكس على حياة المواطن ومستواه المعيشي، اضافة
لذلك فان الحد من النمو السكاني يحتاج الى تنفيذ خطة وطنية شاملة ناجحة
للعمل على تحسين المحددات الاجتماعية والاقتصادية للخصوبة والانجاب حيث ان
حل هذه القضية يحتاج من الجهات المسؤولة العمل في اتجاهين متوازنين:
الاتجاه الاول: نمواً اقتصادياً والاتجاه الثاني تخفيضاً في معدل السكان
وهذا الشيء يتطلب زيادة الوعي السكاني بين المواطنين وتنفيذ اهداف
الاستراتيجية الوطنية للسكان التي تهدف الى تحقيق المواءمة بين النمو
السكاني والنمو الاقتصادي والاجتماعي لتلبية متطلبات التنمية للسكان التي
تتمثل في تأمين مستوى الرفاه الذي يطمحون اليه.
أما الاهداف العامة للاستراتيجية فهي تحقيق مساهمة فعالة للحد من الفقر من
خلال تحسين حياة المواطن وضمان حصول الذكور والاناث على المستوى التعليمي
الملائم والحد قدر المستطاع من التسرب الذي يحصل في مرحلة التعليم الاساسي
بين صفوف الاناث.. فالتنمية الشاملة تتطلب تعلماً وتعليماً كما ان مرتكز
التنمية الذي اساسه المعرفة والمعرفة في جدلية التعلم والتعليم هي لب
الموضوع حتى نتخلص من التقاليد والعادات السيئة حيث تلعب التقاليد دوراً
اساسياً في اعاقة التفاعل الايجابي بين المستوى التعليمي والمستوى
التمكيني.
وضمان المشاركة الكاملة والفعلية للرجل والمرأة معاً في عملية التنمية
وتحقيق التوزع الجغرافي المتوازن بين المحافظات السورية من جهة وبين الريف
السوري الذي حرم من اغلب الخدمات الضرورية والحضر من جهة اخرى، اذ يوجد
هناك خلل في التوزع الجغرافي حيث نجد ان 43٪ من المواطنين يقطنون في ثلاث
محافظات سورية فقط.
وهذه الامور جميعها تتطلب من الحكومة تحقيق تنمية مستدامة للافادة من موارد
التنمية وتحسين خدمات الرعاية الصحية بما فيها الصحة الانجابية وتنظيم
الاسرة ونشر الوعي بين افراد المجتمع في القضايا السكانية والاجتماعية،
نظراً للترابط الحاصل مابين النمو السكاني والنمو الاقتصادي فتحسن مستوى
المعيشة بين افراد المجتمع يؤدي في النتيجة الى تحسين فرص التعليم وزيادة
الثقافة والوعي وهذا بمجمله ينعكس ايجابياً على القضية السكانية.
إن المشكلات التي تنجم عن المسألة السكانية عديدة وهي تعيق عملية التنمية
الشاملة ومن اهمها مشكلة البطالة حيث ان سورية بحاجة ماسة الى انفاق ما
يقارب الـ 140٪ من قيمة الناتج المحلي لخلق فرص عمل جديدة للحد من هذه
المشكلة من خلال دخول استثمارات صناعية وسياحية جديدة يتم توزيعها بشكل
عادل ومدروس على جميع المحافظات السورية والمناطق النائية.
وقد دلت اغلب الدراسات التي قام بها بعض الاقتصاديين المختصيين ان النمو
السكاني في بلدان العالم مسؤول عن حوالي 80٪ من ازالة الغابات و73٪ من
التوسع في الاراضي الصالحة للزراعة وترافقت جميع تلك الزيادات السكانية في
المناطق الحضرية وشكلت عبئاً كبيراً في زيادة الاستهلاك الغذائي في المدن..
اضافة الى ظهور التجمعات السكانية غير المنظمة (أي السكن العشوائي) في
المدن الكبرى والتي اقيمت على حساب المساحات الخضراء المزروعة والمشجرة.
كما ان هذه التجمعات تفتقر الى الخدمات الضرورية مثل الصرف الصحي والسكن
الصحي والطرق المعبدة والانارة بالكهرباء وكل هذه الدراسات دلت ايضاً انه
كلما ازداد عدد السكان تزداد الحاجة الى الطلب على المياه العذبة للشرب
وكذلك تزداد المياه المهدورة ويزداد التلوث كما تنخفض حصة الفرد من المياه
الصالحة للشرب.
لذلك لابدمن تسليط الضوء على الاثار المختلفة للمشكلة السكانية لتحديد
انعكاساتها الآنية والمستقبلية معاً على سير التنمية الشاملة ولاسيما في
مجال التعليم وسوق العمل والحد من البطالة قدر الامكان وتوزيع السكان وغير
ذلك.. ونظراً لخطورة هذا الموضوع فإنه يتوجب علينا مواجهة هذه التحديات
والتصدي لها للتخفيف ما امكن من وقوع مؤثراتها في المستقبل القريب لان
الانفجار السكاني لو حصل سوف يشكل عبئاً كبيراً على معدلات التنمية
الاقتصادية والاجتماعية، ويستهلك جميع الموارد ويؤدي في النهاية الى تدني
نوعية الخدمات العامة والرفاه الاجتماعي.
وهذا الامر لم يكن غائباً عن أعين المسؤولين في الحكومة التي ادركت مستوى
الاخطار الاقتصادية والاجتماعية للزيادة السكانية.. فقامت بدمج السياسات
والاستراتيجيات السكانية في خطط التنمية الاقتصادية حيث صدرت العديد من
القوانين والمراسيم التي ساهمت في معالجة المشاكل السكانية مثل قانون
التعويض العائلي للاولاد الثلاثة واجازة الامومة للولادات الثلاث فقط.
اضافة الى مكافحة البطالة ومنح القروض لاقامة المشاريع الصغيرة والكبيرة
وفتح الآفاق الواسعة للمستثمرين لاقامة استثمارات جديدة في المجالات
التجارية والزراعية والسياحية لرفع مستوى الدخل القومي وزيادة النمو
الاقتصادي، وذلك بهدف الوصول الى تحقيق التوازن بين عدد السكان والتنمية
والاقتصاد لان مناقشة المسألة السكانية والتعامل الواقعي مع قضايا السكان
اضحى امراً مهماً ومطلوباً للوصول الى صيغ تشكل حالة انسجام بين الزيادة
السكانية التي تستهلك اي ارتفاع في نسب النمو الاقتصادي وبين ادارة الموارد
الموجودة.
ومن المعروف ان التقرير الوطني للتنمية البشرية الذي جرى في عام 2005
بعنوان «التعليم والتنمية البشرية نحو كفاءة افضل» الصادر عن برنامج الامم
المتحدة الانمائي وهيئة تخطيط الدولة قد تضمن ان 54٪ من العينات حيت سئلن
عن سبب اختيار نوع التعليم الجامعي قد اجبن بأن ذلك تم بناء على رغبة
الاسرة.
وكذلك ان نسبة 85٪ من المشمولات بالعينة أجبن بأن البيت هو الموقع الاساسي
للمرأة.
كما ان 85٪ من النساء في عينة التقرير اكدن ان عمل المرأة ينال من دورها
الاساسي كربة منزل.
وعلى الرغم من انتشار ثقافة الاصلاح الاجتماعي في سورية ومرونة مناهج
التعليم فان المعيار الاجتماعي السائد لايزال يرى دور المرأة الاساسي في
اطار الاسرة والانجاب وتربية الاولاد والقيام بالاعباء الزوجية فقط.
وهذا مايفسر ان المرأة المتعلمة التي امضت جزءاً من عمرها في الدراسة حتى
حازت على الشهادة الجامعية لاتزال تخضع لتلك التقاليد والاعراف الاجتماعية
السائدة في مسائل الانجاب والاسرة.
على كل حال فان معالجة هذه المشكلة تتطلب من الجميع السعي للاعتدال في معدل
الخصوبة واتخاذ الاجراءات المناسبة التي من شأنها اعادة التوزيع الجغرافي
للسكان كي يتناسب مع الامكانات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية لكل
محافظة.
حيث ان التنمية البشرية هي نقطه الانطلاق في السياسة السكانية الهادفة
للارتقاء الواعي والمسؤول والمستمر بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية في
المجتمع.
اذاً لاتنمية اقتصادية او اجتماعية بغير المرأة كما لاتنمية بغير الرجل
والعلم يصون المرأة مما لايليق بها ويقربها من الفضيلة واذا كانت البطالة
مذمومة في حق الرجل فهي ايضاً مذمومة في حق النساء .
نجم الدين بدر
|